الأشياء الأمكنة شقاء التاريخ

-1-

وجهاً لوجه. في الجهة المقابلة من مائدة العشاء التي جمعتنا في مطعمٍ يطل على البوسفور, (اسطنبول, 27/10/2004).

وجهها تيه سماوي. لا اعرف اين اضع عيني - حول الشفتين الضفتين اللتين يجري بينهما كوثر الارض؟ حول اللازورد الذي ينبثق من تحت اهدابها, ناسجاً فضاء آخر داخل الفضاء؟ حول الأنف الأقْنى؟ الخدين؟ المنحنى الذي يجمع بين ذروة الشفة السفلى ومنحدر الذقن؟    

أنظر اليها خلسة.

لا تنظر إلا الى نفسها.

هل ذكّرني وجهها بما لم يكتمل فيّ؟ بما لا ازال ابحث عنه؟ ولماذا لا أعرف ان اسمّي ذلك "الشيء" الذي يتلألأ فيه, ويشعّ منه؟ لأقُلْ انه مادة شاهقة تولّد في جسدي كله ما يشبه انخفاضاً يتأرجح بين الوجع والرغبة والدهشة.

مادة شاهقة؟

وأكاد ان اقول: الجمال, كما يتجلّى في هذا الوجه, وكما يتجلى في الاشياء كلها, يحول الزمن كله الى لحظة تتوقف فيها الحركة, وتتوقف الصيرورة.

 

وأكاد ان اقول ان في الجمال قوة تجعل من الصيرورة نفسها ماهية, ومن الغياب نفسه حضوراً.

والحب هو جسد هذا الحضور, ونشوته العليا.

-2-

اسطنبول - لا عمل لهذا العالم إلا الغياب.

ما تكون, اذاً, علاقة اللغة بهذا العالم؟

أليس ما نقوله في هذا العالم - الغياب, هو نفسه ما لا نقدر ان نقوله؟

لكن, أليست اللغة, اذاً, نوعاً من الوجود الهذياني الذي يحتضن الانسان والحياة والعالم, والذي لا حضور للانسان الا به وفيه؟

-3-

أسافر كثيراً. ويتيح لي هذا السفر ان ارى اشياء كثيرة, وأمكنة كثيرة.

الامكنة, كمثل الاشياء, فضاء, مناخ, ضوء. وعندما اغيب عنها, انتبه الى انني لم ارَ منها إلا "معناها". تنطبع "روحها" في حواشي, وتفلت "اجسامها" عابرة في اتجاه الخفاء.

سابقاً, في السفر - في قطار او طائرة, كنت احب ان اجلس دائماً قرب النافذة. وكنت ألاقي صعوبة في ان ارفع عيني عما اشاهده عبرها - خصوصاً تشكلات الغيوم, في الجو, وأجساد الشجر واقفة على الارض.

اليوم, صرت على العكس, احب الجلوس بعيداً من النافذة. أهي بداية الهبوط الى الداخل, الى "القبر", تبعاً للتقدم في السن, نحو الشيخوخة؟ كأنما "الظاهر" لا يعود مغرياً في هذه السن, وكأنما "الباطن" على العكس, يصبح في مختلف دلالاته, نقطة الغواية والجاذبية.

-4-

 

تذكرت في اسطنبول انني لا اعرف ان اقرأ خريطة. وتذكرت ان الراحل الكبير غسان جديد اغراني, مرةً, بقراءة الخرائط. قال لي, محاولاً ان يقنعني بحب الحياة العسكرية: التخطيط لمعركة كتابة اخرى كمثل كتابة القصيدة.

غير انني بقيت كما كنت. أكره الحياة العسكرية, وقراءة خرائطها, وأتعلم قراءة القصائد.

ربما لذلك لم أكن احب, في دراستي الجامعية, مادة الجغرافيا. كان الاستاذ الذي يعلّمنا اياها يلزمنا بأن نحفظ غيباً عدد الماشية في اوستراليا, مثلاً, وكم طناً من القمح او من الذرة تنتج, سنوياً, هذه البلاد او تلك. هكذا في عبثية, لا توصف.

كان هذا الاستاذ نفسه مأخوذاً بفرض حبه على طالبة كانت تحب طالباً صديقاً معنا في الصف نفسه. وقد اضطهده, مجبراً اياه, على الخروج من الصف نهائياً, خاسراً سنته الجامعية.

وانتهى هذا الاستاذ الى الزواج من هذه الطالبة. الغريب الآن (أهذا غريب, حقاً؟) ان "جغرافية" سورية شيء, و"تاريخها" شيء آخر.

-5-

كلما زرت مدينة عربية أَزداد يقيناً بأن من الممكن ان نجد في اجهزتها ومؤسساتها "مرَضى" اكثر بكثير مما نجد في مستشفياتها. وأقول:

بشر يصعدون - يمكن ان يتوقفوا. يتأملون, يتحاورون, يتشاورون, يخططون.

بشر ينحدرون - لا مفر من ان يصلوا الى القاع. لا احد يلتفت الى احد. لا احد يصغي الى احد.

-6-

قال لي صديق فرنسي التقيته في اسطنبول, في اثناء حديث عن الوضع العربي, قياساً على الوضع التركي:

"وضوح السياسة العربية

 

هو شكلها الاكثر غموضاً".

ثم ذكّرني, استطراداً, بما يقوله الكاتب ل. لانفانيزي, يصف شخصاً يعرفه:

"كان يقرأ التوراة,

بحثاً عن مطعمٍ جيدٍ في فلسطين".

-7-

الفارق بيني وبينك, ايها الصديق المصرّ على الامل, ان عندك مفاتيح لأبواب غير موجودة, وان عندي ابواباً اتمزق باحثاً عن مفاتيحها.

هكذا تسعفني هذه اللحظة من تاريخنا وتحرضني لكي اهمس في اذنيك:

هؤلاء الذين يفهمون وضعنا العربي فهماً صحيحاً, يصلون الى هذه الصناعة:

ليس في الحياة العربية, اليوم, شيء يقيني إلا شقاء التاريخ.

-8-

لو أن الغابة حاكمة على الورقة,

اما كانت علقَّتني على خشبة؟

-9-

كلا,

لن أكف عن ترصد الزمن,

لنحت اشلائه.

-10-

قبّلتِ الارض البحر بين عينيه,

ففتح شفتيه الى الابد, -

قولي,

هل أنتِ الارض أم البحر؟

*

عندما كنت انظر اليك, وأطيل النظر,

لم اكن اراك,

كنت اتمرأى فيكِ.

-11-

 

في زيارتي الاخيرة للقرية التي ولدت فيها,

رأيت اطفالاً كأن الزمن يقف بين شفاههم كمثل ثدي متجعد وجاف,

ورأيت رجالاً ونساء, خُيّل اليّ, فيما اتحدث معهم, انهم يتهيأون لكي يشربوا دموعهم.

أيديهم الممدودة الى السماء وشفاههم الطافحة بالصلاة, لم تستطع حتى الآن ان تقنع اي عناية بأن ترفرف عليهم. مع ذلك, يواصلون بعنادٍ تحديقهم في اتجاه النجوم.

زمن - عكاز

يكاد الطحلب ان ينبت على اطرافه.

-13-

اتصفح العدد الاخير من المجلة الادبية الفرنسية "ماغازين ليتيرير". يدور موضوعه الاساس حول: "آرتو المتمرد". اقف عند بعض ما قالته اليزابيت رودينيسكو, المتخصصة في تاريخ التحليل النفسي.

قالت: تطور هذيان آرتو, فصار "صوفياً, مع كراهية للجنس, لكل ما هو جسدي. ومع رفض "كل مظهر حسّي", فكأنه كان يرى اليه بصفته "اضطهاداً واهانة". وقالت: "لم يقم آرتو علاقة الا مع امرأة واحدة هي جينيكا آتاناسيو. كان يقول عنها انها يونانية, بينما هي رومانية". ولاحظت ان هذيان آرتو كان دائماً يحمل معنى, وقابلاً للتأويل, وشديد التماسك. كان يمكن تفسير كل حركة بصفتها حالة ميتافيزيقية تنطوي على معنى اساسي".

وأشارت الى انه كان يعيش بلا مالٍ, متنقلاً بين مقدّريه ومحبيه.

*

قرأت في العدد نفسه حواراً مع الكاتب الاميركي جيم هاريسون, قال فيه على لسان جده: "لا فرق بين الحيوانات وبيننا. هي تعيش في الخارج, ونحن نعيش في الداخل".

ويتابع: "لا أشعر بأنني ارفع منزلة من الغراب. لماذا أكون افضل منه؟".

وعندما سئل: "هل تريد بعد الموت ان تُبعث في غراب؟", اجاب:

 

"كلا. اريد ان ابعث في شجرة. حياة الشجرة هادئة. تؤرجحها الريح, وتموسقها الفصول".

*

"الحياة لا يُعاد صنعها", يقول آرتو.

الحياة لكي تخلق باستمرار.

-15-

الموسيقى, الضوء, وأنا

حلفاء للغيم - هذه اللحظة.

 

أدونيس