أنــــا والتيــــن
mouse

أما هذه المرة فسأحدثكم عن طقوسي الصيفية التي عشتها في أزمنة غابرة من الماضي الذي بات سحيقا ومجرد صور تومض لتختفي من جديد أمام هذا الضجيج الحياتي الموحش والمقلق.

فقد كان أبي يوقظني يوميا مع خيوط الشمس الأولي لكل صباح، كي احضر فاكهتنا المجانية واللذيذة والتي هي عبارة عن ألوان متعددة من التين..

كنت احمل سلتي، وأنا أداعب الطريق الترابي الضيق بكسل وديع كأني فراشة ناعسة تلهو، أو زنبقة تتمايل مع نسمات الهواء العليل في قريتي الغافية في إحدى جنان الله علي الأرض.

اصل شجيرات التين المشاعة، والتي احفظ انتشارها مع نوع كل منها، ومن ثم اعتلي إحداها واجلس القرفصاء علي غصن أكون قد تأكدت من متانته كي لا اسقط في لحظة ما ويكون قد تعكر علي هذا الطقس الرهيب..

أبدأ بالتقاط حبات التين الندية وأتناولها وأنا استمع إلى زقزقة العصافير القريبة مني، إما علي الأغصان، أو الأشجار المجاورة.

انتهي من تناول التين الذي لا أشبع منه، لأبدأ بسيجارتي التي لها متعة سحرية بعد وجبة التين تلك.. وأنا غارق حتى قمة رأسي بحديث مشوق مع تلك العصافير. ولم لا..؟ ألست عصفورا صغيرا يئن لأوجاع الياسمين؟ ولم لا..؟ ألم أكن احب سلمي..؟ ولم لا وأنا المغمور حتى جبيني بتراب وطني وقريتي وحنيني الجارف لعشي..؟ ولم لا..؟ والعصافير هي التي تأتي إلى وتسامرني، هي من كان يلقي تحية الصباح، هي من كان يشكو لي شقاوة الأطفال وعبثهم الدائم في عشوشها.

فجأة.. سقطت علي الأرض، فقد خانني غصن التين، وخانتني سلمي.. فانتشلتني الآلام التي حطت في مفاصلي من ذلك الحلم الجميل بعد أن طارت كل العصافير من هول السقوط..

أعود لمنزلي بعد أن انفض الغبار الكثيف علي ثيابي وجدران قلبي، لأري أهلي يحتسون القهوة الصباحية علي أنغام فيروز، وهم ينتظرون سلة التين التي من المفترض أن تكون مليئة في ذاك الصباح..

مؤيد صلاح اسكيف