نزلاء بار " فريدي"



نزلاء بار " فريدي" أو الأيقونة الكحولية الأخيرة في دمشق

فنانون وفلاسفة وعتالون ومفلسون في مناقشاتهم وشجاراتهم الأبدية

يعتبر بار فريدي أحد البارات الشعبية في دمشق وكان قد تأسس في العام 1928في منطقة جسر فيكتوريا وسط دمشق ثم انتقل مع بداية السبعينات إلى مقره الحالي في شارع العابد وسط دمشق أيضاً . ورغم كونه باراً شعبياً فإن رواده ليسوا شعبيين بالضرورة .فبالإضافة إلى العمال والحرفيين والعمال المياومين (الفاعل) والعاطلين عن العمل . فإن للمثقفين أيضاً حضورهم هناك . وكذلك الفنانين ، وكان الشاعر السوري الراحل والذي يكتب بالفرنسية عزمي موره لي من أشهر رواد البار ، وهو من أصول أرستقراطية ، وكذلك الفنان التشكيلي الفلسطيني مصطفى الحلاج ، بالإضافة إلى مرور الكثير من المشاهير بهذا البار ، ومنهم : الكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه  والممثل المصري المعروف محمود حميدة والممثلة المصرية ماجدة الخطيب ، ناهيك عن الفنانين السوريين .

فريدي حالة سورية بامتياز حيث يختلط كل شيء بكل شيء من دون أي ارتباك ، فمن العتال " أبو كامل "  إلى الشاعر التونسي " محمد كنايسي " ومن موظفي الجمارك إلى الصحافيين والمثقفين ، ومن العاطلين عن العمل إلى شباب الـ " 

ستجد ان المسافات قصيرة إن لم تكن معدومة  ..إلى فريدي إذاً ...

يقع فريدي في أحد الشوارع الفرعية لشارع العابد الشهير . ويتموضع بشجاعة في مواجهة المطعم الصحي الذي يمتد ويمتد حتى يكاد ينال من الشارع كله ، ولا تتوقف طموحات المطعم المذكور بالمحلات العديدة التي أضافها إلى مطعمه ، وإنما هناك محاولات لشراء بار فريدي ـ على الغالب لأسباب غير تجارية ـ ولكن دونما تجاوب من جوزيف وشقيقه أبي ريمون ، صاحبي البار .

افتتح فريدي الخالي في بداية السبعينات كامتداد لفريدي السابق في جسر فيكتوريا قرب شارع شيكاغو الشهير بالكباريهات والبارات . وكان جوزيف المشرف حالياً على " فريدي" يصحب والده إلى هناك . أما الساقيان أبو غسان وأبو أسامة فقد بقيا في المقر السبعيني القائم كذكرى من المكان القديم .

ينقسم رواد " فريدي" إلى قسمين : قسم يقيم بشكل دائم وهم يشكلون عصب فريدي الحقيقي . وقسم عابر مندهش ومتفرج وكثيرً ما يتحول أحد من هؤلاء إلى مقيم .

وللعابرين ظروفهم وغاياتهم فمنهم من يأتي بالصدفة لشرب زجاجة بيرة ويمضي وفي رأسه ضجيج المكان وفتات الحديث ومنهم من يأتي بدافع الفضول . من كثرة ما سمع عن " فريدي" ورواده وغالباً ما يكونون من الكتاب الجدد والفنانين الجدد الباحثين عن حرارة التجربة والتعرف إلى شخصيات حارة وشعبية بعضهم يقيم لفترة وبعضهم لا يعيد الكرة ولكن أكثر العابرين تردداً على المكان يكونون عادة من أصدقاء بعض المقيمين وبالتالي فهم يظهرون من وقت لآخر محاطين بقليل من الغموض يحاول صديقهم المقيم تفسيره للآخرين . ضمن هذه الأجواء يتحرك الباص الكحولي بركابه المهزومين والمنتصرين ، وسط نظرات بعض المارة الفضوليين الذين لا يتورع بعضهم عن مد رأسه ومشاهدة هذا المتحف المترنح ولو للحظة .

تحت أنظار ملاك الموت

 هناك مقولة شبه رسمية يبناها الركاب الدائمون ومفادها أن الراكب الدائم الذي يختفي لثلاثة أيام متتالية هو في عداد الموتى حتماً . فالذي لا يموت بسبب العدو الأكبر لركاب فريدي وهو " تشمع الكبد" يمكن أن تدهسه سيارة عابرة أو أن يسقط من أعالي الدرج في إحدى ذروات الميلان ، ولكن ذكراه تبقى فلا يكاد يمر أسبوع من دون ذكر ما لأحد الغائبين .

ويعتبر أبو شاهر مغسل الأموات أحد أشهر الرواد ، فهو وكيل عزرائيل في " فريدي" كما يلقبونه ، بل إن  أحد الركاب الميسورين "موفق" والذي يأتي في إجازاته الصيفية من السعودية إلى فريدي مباشرة من دون المرور ببيته . طبعاً يستنكر وجود أبي شاهر قائلاً : في كل بار في العالم تجد امرأة ما لتجالس الزبائن أما هنا فأنت تحت أنظار وطسل ملاك الموت على الدوام " .

ويفتخر أبو شاهر بالشخصيات المهمة الراحلة التي قام بغسلها . مرة جاء إليّ متهللاً وقال لي باعتبار أنني كاتب " العمر إلك هلأ غسلت الكاتب الكبير فلان الفلاني " ولا يتضايق أبو شاهر من المزحات المتوالية الموجهة إليه ، بل إنه يشعر بنوع من الاعتزاز عند سماعها ، وهو يردد دائماً " أنا مو وكيل عزرائيل أنا زلمته ـ هو معلمي " .

وينكر جوزيف بشدة أن يكون أحد رواد فريدي قد توفي بسبب تشمع الكبد ، فلا كحول مغشوشة هنا ، ودليله أن سائق التكسي " السبع" وهو عبارة عن صهريج كحولي متنقل ما زال على قيد الحياة إلى اليوم وعلى رأس عمله من دون أية حوادث سير تذكر . لكن المسألة ليست في الكحول المغشوشة وإنما في الكميات الهائلة التي يبتلعها الرواد ـ الركاب دائماً بكميات خرافية وسط حمى الدخان والنقاش ..وأي نقاش !

شتيمة أميركا وإسرائيل

  في فريد يناقشون كل شيء ، يرمي أحدهم كلمة وتبدأ المناقشة في هذا البار ذي الشكل الطولاني وعلى صفي الكراسي والطاولات المتوازيين ، ما يجعله أشبه بباص يأخذ ركابه إلى المجهول دائماً .يقول أحدهم : محمود درويش ، وينطلق الباص ، يتدخل الجميع ويدلي كل بدلوه حتى العابرون يتدخلون ، في البداية يتدخل العابر بحذر وما أن يتورط في النقاش حتى يصبح من رواد المكان  الدائمين  ، ولكن هناك خوفاً ، كل الرواد يخافون من السياسة وهي إحدى الأمراض المتبقية من الثمانينات . لذلك فهم يشتمون أميركا وإسرائيل بصوت عال في بداية المناقشة ، كنوع من التصدير لمخبر مختبئ أو جديد أو معروف . وبعد ذلك يدخلون في موضوعهم الأساسي الذي لا علاقة له بأميركا أصلاً ، كما أن مصطلحاً جديداً أخذ بعده في " فريدي" وهو  " الوطنية " وقد رسخ هذا المصطلح أحد الصحافيين الكحوليين " سهيل" وهو شيوعي ، كما يحب أن يقول ، ووطني ضد أميركا ومجيئها إلى المنطقة بل إنه اتهم أحد الكحوليين العرب بالخيانة لمجرد صمته عندما ندد أحد ركاب فريدي باغتيال الشيخ أحمد ياسين ، حتى الصمت غير مسموح به أمام هذا الشيوعي الوطني الذي يأتي لاهثاً من عمله ويطلب كؤوساً عدة من العرق دفعة واحدة على اعتبار أن العرق مسموح به حتى الساعة الخامسة فقط درءاً للمخاطر .

وبعد ابتلاع الكأس الأولى يبدأ سهيل بإدانة شارون ، فيوافقه الجميع من دون تردد وتبدأ سيمفونية من الشتائم ضد شارون لا تخرب انسجامها شتائم عابرة موجهة  من أحدهم لزوجته وسط الضجيج .  فالداخل إلى فريدي من المقيمين يبادر إلى شتيمة شارون وبوش قبل إلقاء التحية والجلوس  ـ ولا يشذ عن هذه القاعدة أحد بمن فيهم الفيلسوف " أبو مهند" ـ نعم فيلسوف تقوم فلسفته على جملة واحدة " في مشكلة ؟ ما في مشكلة " ولشدة تركيز أبي مهند على عدم التورط يتلقى تهمتي الخيانة واللاوطنية اضطر ذات يوم إلى شتم شارون ستون عندما ورد اسمها عرضاً في لإحدى المناقشات السينمائية .

إلا أن البعض ليس مضطراً لإثبات وطنيته وبالتالي فإن مساحة الحوار مهيأة للتخوين والاتهامات في حمى النقاشات التي  يحسمها جوزيف بقرص هذا أو ذاك فيصمت الجميع ! .

لكن لماذا يصمت الجميع عند القرص ؟ السبب بعيد جداً إذ أن جوزيف يقدم المشروبات لزبائنه بالدين ايضاً ، وعندما يتأخر المستدين عن الدفع فإنه يذكره بذلك عبر قرصه ، وهي لغة متعارف عليها في " فريدي" . أما عندما يدخل أحد المستدينين في نقاش ويتحمس فإن جوزيف يقرصه ليذكره بأن حالته المادية البائسة لا تسمح له بأن يكون عبقرياُ في المناقشات أصلاً !.

العلامة أو الباحث الكبير

وعلى الرغم من محبة سكان فريدي للمناقشة ، فإنهم يرتعدون هلعاً عند دخول العلامة والباحث الكبير ، إنه باحث في الإسلاميات وكحولي عتيد معاً ، كما أنه يكتب مقالات سياسية في إحدى الجرائد اليومية ، وهي مقالات " جريئة" كما يعتبرها هو شخصياً ، على الرغم من نشرها في جريدة محلية ، وخروج رائحة التملق الواضح من ثناياها دائماً ، يصاب ركاب فريدي بالدوار منه لأنه يأتي بالمقال قبل نشره بيوم ويقرأه عليهم رغماً عن أنوفهم ثم يطلب " رأيهم التافه بمقاله العظيم " بل ويتدخل في آرائهم ويصححها ويقومها كأنه جالس في رؤوسهم . ثم ينظر إليهم ويقول بعد أن يأخذ جرعة من العرق : " بشرفكم مانكن فخورين لأنكن قاعدين معي ؟" فيهزون رؤوسهم باعتزاز مفتعل . ولا يكتفي العلامة بالقراءة الأولى بل يأتي في اليوم التالي بجولة تفقدية حاملاً معه المقال منشوراً في الجريدة ويعيد قراءته عليهم من جديد فيهزون رؤوسهم بشكل أوتوماتيكي من جديد .

وفي إحدى المرات ظهر العلامة في برنامج تلفزيوني وهو يتحدث في الإسلام وتوحيد المذاهب ، وكان أحد رواد فريدي الأميين مع زوجته التي تكره الكحول وفريدي وزوجها السكير . وما أن شاهد السكير صديقه العلامة حتى قال لزوجته بفخر واعتزاز هذا صديقي ، عندها نظرت إليه زوجته المعجبة بالعلامة التقي باحتقار، وقالت  : صديقك ؟!! دخلك ووين بتشوفه ؟  بفريدي ؟!"

من البار إلى المستشفى

وبسبب وجود بعض الفنانين والكتاب في البار فإن بعض الزيارات المهمة تحدث من قبل بعش المشاهير ، ولعل معظم النجوم الحاليين في التلفزيون كانوا دخلوا إلى فريدي في بداية حياتهم الفنية لكنهم توقفوا عن ذلك بعد أن صار بإمكانهم الجلوس في بارات فخمة .

وقد يأتيك نجم من دولة أخرى مثل الممثل المصري محمود حميدة الذي دهش عندما شهد على مكالمة هاتفية من السعودية بين الميسور " موفق " وكازانوفا فريدي " مجد" وكان مفلساً فطلب من موفق أن يقدم له زجاجة ويسكي على حسابه وبالفعل تحدث موفق مع جوزيف وطلب زجاجة ويسكي لمجد والدفع لدى عودته في الإجازة الصيفية . وماكانت هذ الأشياء لتزعج موفق بل إنها تمتعه ولكنه كره رواد فريدي عندما دخل إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية ويالهول المفاجأة ، فقد كان زبائن فريدي أصحاب واجب ، وبالتالي فقد أصبح المستشفى الفخم هدفاً لهم بعد إغلاق فريدي في التاسعة مساءاً . موفق راقد في سريره وسط أهله وأهل زوجته المحافظين وزوار مترنحين من السكر يقومون بواجبهم الاجتماعي ، ولم تفلح اتصالات نزيل المستشفى الهاتفية بجوزييف صباحاً كي يمنع لأصدقاء من الزيارة المسائية اليومية .

قال لي موفق إن أحدهم طلب من الممرضة سطلاً من الثلج من أجل ليتر الفودكا القابع في حقيبته ، بينما بقي آخر يحدث زوجة موفق ويعدد لها لمدة نصف ساعة حتى نبهه الأخير بأن السيدة التي يحدثها ليست زوجته بل أمه في حين ودعه أحدهم وودع عائلته ثم دخل إلى حمام الغرفة ، يا للمشفى الفخم الذي تحول إلى فريدي ليلي ، حتى أن موظفي الاستعلامات أصبحوا يدلون زوتر موفق إلى غرفته ثبل أن يتفوهوا بكلمة واحدة بعد أن بدأوا يميزونهم من مشيتهم المترنحة وروائحهم الـ " فريدة"  .

في التاسعة مساءاً يغلق فريدي بوابته فتتحول الواجهة إلى كتلة غامضة يرمقها لعابرون باستغربا وفضول بل وباستنكار أيضاً إلى أن يرفعها أبو غسان صباحاً ويبدأ الباص باستقبال ركابه الحالمين والمحبطين العنيفين والمسالمين ليبدأوا رحلة جديدة في الباص السكران المتوجه إلى البعيد والمجهول .

لقمان ديركي


 
لقمــان ديركـــي - خاص بجنــــــــون - 31 / 1 /2005
 

لــقــمــان ديـركـي : مجنون سوري
له العديد من المجموعات الشعرية , والمسرحيات السياسية , والأعمال التلفزيونية , كما مثل في عدة أعمال تلفزيونية سورية أخرى , أسس إلى جانب علي فرزت جريدة الدومري الساخرة والتي لاقت إعجابا جماهيرا كبيرا ولاقت انتشارا منقطع النظير , لكنها مغلقة حاليا .ج