لا تخافوا على الشعر

كل يوم هو عيد للشعر

في البدء ، أو قبل البدء كان الشعر 0

لم يولد الشعر ، ولذا لا خوف عليه من الموت لأنه حرف النون في ملحمة التكوين قبل أن تشرق شمس اليوم الأول 0

وهو الرثاء بعد الطوفان في اليوم الأخير 0

فهو لا عيد ميلاد له ، ولن يكون له شاهدة 0

لم يكبر الشعر ، ولم يهرم ، لأن الشعر موجود في المطلق ، وهو الذي يحرك الوجود 0

لم ، ولن ننس الشعر حتى نحتاج إلى أن نتذكره 0

لم ، ولن يضعف الشعر حتى نشفق عليه 0

***

 

في البدء ، أو قبل البدء كان الشعر 0

والشعر هو حرف الميم في اسم الأم الأولى التي من حضنها يخرج الياسمين الذي يتكئ على سور البيوت العتيقة ، وفيروز التي تجسّر صوتها بين ضفتين ، والبلابل التي تغرد وهي ترى بيوضها تتكسر تحت أقدام الريح ، والفراشات التي تتطاير من رسائل العشاق 0

الشعر هو المرأة الأولى ، التي تغوينا عندما تخفي اللاشيء بورقة التوت التي نكتب لها ، وعليها قصائدنا 0

الشعر هو المرأة الأولى التي تطير بنا ، ونطير بها بلا أجنحة لنسقط من ذروة الريح على حين غرة إلى حرير الأودية ، وهي نفسها التي نلبسها لندفئ أرواحنا من برد الشتاء القارص ، والتي نسكنها لنأمن من عواء الذئاب في الليل الطويل 0

الشعر هو الدهشة الأولى التي تهدمنا لا لشيء سوى أن تعيد بناءنا 00

والتي تقتلنا لا لشيء سوى أن تستعيد إحياءنا 00

وتفرش الطريق لنمضي فرحين إلى موتنا الخلاق 0

 

الشعر هو الدهشة الأولى التي نعيش وهمها بمقدار ما نتمثل حقيقتنا ، والتي تزعزعنا وتزلزلنا بمقدار ما ترسخ توازننا ، وتوهمنا بمقدار ما تحققنا ، وتغيّبنا بمقدار ما تحضّرنا ، وتأسرنا بمقدار ما تحررنا 0

الشعر هو الدهشة الأولى التي تسند وترمم الزمان الآيل إلى التفكك 00

التي بموشورها تعيد تحليل الألوان على بهجتها 00

التي بإكسيرها تسترد رعونة وبلاهة الطفولة الآسرة من حكمة وحنكة الشيخوخة المأسورة 00

 

التي تخرجنا قليلا من أرتال السرب لنمارس الحرية ونكون نحن كما نحن لنظام أجنحتنا ، لتشكيل الحلم في الممكن ، لحفنة من الجنون ، ولقليل من الفطرة ، لإعادة اكتشاف الأنا بكل شراستها وعنفها ووحشيتها ، لنكون نحن كما نحن قبل أن يدجننا الخوف ، والأخلاق ، والقيم ، والوصايا ، والرسائل ، قبل أن تربينا الحكمة ، قبل أن نتعلم الأسماء ، وقبل أن نلفلف دماغنا ونزيد من سطح ، وتسطح معرفتنا 0

والشعر هو الذي يغسّل معرفتنا التي تزيد جهلنا ، ويعيد بلاهتنا ، ويغسل غبار حواسنا ، ويأتي بالمستحيل كي يتمرغ في حضن الممكن ، ويربي السراب على قول الحقيقة 0

والشعر هو العكاز الخفي الذي يمسك به قلقنا ويمضي بنا ، دون أمل في الوصول ، إلى كينونتنا ، كما أنه الرقص الذي يخفي عرجنا في حفلة الزفاف 0                                                                

***

 

في البدء ، أو قبل البدء كان الشعر

الشعر هو حرف الألف في الرسالة الأولى التي هبطت على براق الضوء من السماء إلى الأرض ، والتي تأرخ للروح رحلتها عبر البرازخ ، وتصعد معها من على الجلجلة إلى سدرتها الأخيرة

وهو المرثية الأخيرة التي سترمم رماد الأرض الأخير

فلا تخافوا على الشعر 00

لا تخافوا على الفراشات وهي تطوف في طقس حجها حول النور الأبدي 00

لا تخافوا على الحب وهو يبني سماء لقوس قزح لحبيبين 00

لا تخافوا على الرعشة وهي تغازل زغب جلد صبية في بدر صدرها  

لا تخافوا على اللغة وهي تقف على العتبات وتمد جسورها بين قلبين

لا تخافوا على الموت وهو يمتص الهواء من رحم الأم

لا تخافوا على الدموع وهي تتحدّر على خد الوجود 00

في البدء ، أو قبل البدء كان الشعر

في النهاية ، وبعد النهاية سيبقى الشعر

لا تخافوا على الشعر

إسماعيل الصمادي