من أجل بيان


عيسى الشيخ حسن

 


.." أظنه بياني فقط ..بافتراض وهمٍ صالحٍ للادعاء ، وهمِ أنّ عينيّ لي ، أرى بهما صحراء تزحف، ويباساً ..وخراباً ..ودماً . وأرى فيهما وجهي حين تغازلني المرأةُ ، والمرآةُ ...كاذبتينِ عليّ ، أو مخدوعتين بي ، هما عيناي ..أمينتا سرّ شغبي القليل ..الثاوي في الجزء المقضوم من نفاحة العمر ، وشهية عودته المرتجاة إلى الجزء الباقي منها.

أظنه بياني فقط..

لأني لم ألصق صوري التي قصصتها من دفتر الذاكرة ..كما ينبغي أن تلصق ، لم ألمّ حجارتها بعدُ لأنثرها ، ولم أقرأ الوردة قبل الموت ، ولم أنشر حزن الحدبقة على حبل القصيدة ، كأني لم أفعل شيئاً ، بالرغم من الحبر الطافح والورق المهدور ..وساعات الجنون المتناثرة في القطار الكسول .

وعلى بوابة الأربعين تسري كهرباء خضراء في وجع الروح ، ويمكن للمرء أن يكون نبياً بوحي ، أو بقصيدة ، أو شتلة ورد غامرَ في غرسها ، يمكن للمرء أن يصبو ، وينتظر السحابة ، ويضحك مع الأطفال ، ويزعم أن السماء ستعود إلى الطيور ، و على بوابة الأربعين يمكن للقصيدة أن تتصابى ، متأبطة ً ذراع الشاعر نحو سهر ، و سحر ، وحميّا ، ورؤيا .

ولهذا أقول هما عيناي تريان الأسود والأحمر ، تتوهمان رؤية سنابل خضر في نهاية المشهد ، وأجنحة شهباء بعد كلّ رعاف ، تتوهمان ، ولا توهِمان ، وتَقرأان ، ولا تُقرئان ..عيناي لي ، وهو بياني فقط ..تريان في الحديقة ومضة الجنة التي طارت ، وفي القصيدة نشوة الخلق الأول .

 

الشعر عندي ملعب إحالات ، و ترجمان أحوال ..إحالات تتناسى سفر الدلالة و لاتنساها ، وأحوال تتوسل اللغة و لا تتسولها ، الشعر هو اللغة في أقاصي ارتباكاتها ، والهواء في أعلى شجره ، وغاية هروبه ، الشعر ليس طائراً كسولاً ليرتمي في قفص التعريف ، ولا هلاماً فالتاً من أدوات المعرفة ، أحسّه ، ولا أبصره ، وأشتمّ عطره ، ولا أجد قميصه ، الذي قيل عنه : إن الناقد جاء به ، وعليه آثار حبرِ كذب ، باكياً موت القصيدة والشاعر .

صيادون ..وعشاق ..وتلامذة ..وسماسرة .. ادّعوا أنهم قبضوا عليها بعد موت الشاعر ، فنظّروا ..ونظّموا ..ونظموا ..ثُمّ : لاقصيدة !!

القصيدة عندي هي تلك البرهة العابرة في فضاء الزمن ، يراها الجميع ..منهم من يلتقط لها صورة فوتوغرافية ، ومنهم من يجيد تذكرها ، والحكي عنها ، ومنهم من يطلق عليها النار ويشويها ، ومنهم من يصبرها في حوض زجاجي أنيق ، ومنهم من يحضّر خطوط الفلاحة لانتظار مطرها .

غير أنّ البرهة العابرة تظلّ محض افتتان ، أو وهم بطيفٍ عصيّ على القنص ، القصيدة هي الوهم الذي نطلقه على تذكرنا للجزء المقضوم من التفاحة ، وتصورنا للجزء الباقي منها ، القصيدة إجادة الإضاءة ، ومهارة التعتيم .

 

على بوابة الأربعين يهذي المرء بكلام ٍ يشبه الشعر ، محاكياً لغة اعلى ، وبياناً أسمى ، و جهات ٍ بريئة ً من الخطا ، و أجنحة ً سادرة في الهواء .

هو بياني كما أحسب ، إذ الصحراء تزحف ، واليباس يدبّ ، وشتلة الورد في يدي .. وعيناي لي ، توهماني بعروق نعناع ، وبروق قصيدة .

 


عيسى الشيخ حسن - خاص بــ جــنــــــون 21 / 3 / 2005


 

عيسى الشيخ حسن : شاعر سوري مقيم في الدوحة , حائز على جائزة البياتي الشعرية , و المركز الثالث في جائزة الشارقة للإبداع العربي , وهو من المؤسسين لجماعة قلق الشعرية . ج