الحرية لا تمتطي الأحصنة المدجّنة!!!

 

فاروق صبري


 

 

 


 

 

الحرية.. هذه الكلمة الساحرة !!!!!؟

متى وأين وكيف سمعت واستقبلت وعشت رنينها للمرة الأولى ؟

نعم نعم تذكرتْ..

 في السنة الأخيرة من ستينيات القرن الماضي ، في وسط بيتنا ، حيثُ أنتمي إلى عائلة فقيرة جداً وكان جلّ أفرادها وخاصة والدي يريدون مني أن احصل على وظيفة لها هيبة بين الناس وتلك الوظيفة تتمثل برأيهم في ضابط الجيش أو الشرطة ، ولكنني خيّبت ظنهم باختياري لدراسة المسرح .

وأنا على قلق من ردِّ فعلهم أخبرت والدي بذلك والذي أجابني بهدوئه المعتاد وصمته الحزين المُبلل بضوء ابتسامة:

أنت حر .الله يوفقك في اختيارك.

 

أنت حر ، كم أسعدتني هذه العبارة وأنا متوجّه صوب المسرح .

ولكن بعد شهور قليلة من بدء دراستي للفن المسرحي في معهد الفنون الجميلة اصبح سحر تلك العبارة محاصراً وفي موضع الريبة والمراقبة من قبل إدارة المعهد وعسسها الطلابي الذين ظهرت في وجوههم وسلوكهم ومكاتبهم عنجهية وبصمات سلطة سياسية تنطلق نحو حياتنا كما الطلقة المتوجّهة من مسدس كاتم للصوت صوب رأس الصحفي خالد العراقي في بيروت .

وهكذا وضعتْ أسلاك البعث الشائكة في نبض الحلم وحول عبارة والدي الساحرة ، فكيف أزيح تلك الأسلاك أو أبتعد عنها أو اخفف من وطأتها؟

 

وأسرعت الخطى نحو النص المبدع والفن المعرفي فخلالهما صافحتُ اسخيلوس وتجوّلت في فضاءات ول ديورانت التاريخية وتحاورت مع أصوات غائب طعمة فرمان الخمسة ، أبحرت على سفينة رامبو السكرانة بصحبة اوفيليا الحالمة ودخلت مدينة افلاطون والتقيت في شوارعها بهيغل والسيّاب وروسو وولت وايتمان وفولتير وعبدا لرحمن البدوي ولوركا ولورنس اوليفيه والحلاج وكامو وأدونيس وستنسلافسكي و وبيتهوفن وعبد الغفار المكاوي وانجلس وبيكاسو وفيروز وماركس ودوستيفسكي وجواد سليم والبسطامي وإبراهيم جلال وفهد ومحمد خضير ووووووو وكثيرين سقوا وعيّ بوجد الحرية والجمال والمعرفة وحرّضوه على المساءلة والمشاكسة والمواجهة ، ذلك الوعي الفتيّ سيّج برعاية ووحشية(هوسات) بالروح والدم نفديك يا. وشعارات(للكلمة والبندقية فوهة واحدة) ، فما كان عليه الا أن يركن في الهامش الذي هو الأخر كان مرصودا ومحط اهتمام فرسان ( الهوسات ) القومجية وحراس الثقافة الأيديولوجية ، والمشهدان القادمان ينطقان بذلك.

المشهد الأول:

بحضور مدير مؤسسة ثقافية كنت اعمل فيها وفي مكتبه لخصّ رجلان  متحمسان في ملامحهما الثورية ومؤطران بفرمانات السيد النائب مهمتهما قائلين بود ملغوم بالتهديد:

نريد أن تُوقِع على استمارة الانتماء للحزب.

وحين رفضت وبررت رفضي بصوت منْ تطادره الذئاب ، نهرني أحد الرجلين وخيوط شاربيه الملطخة بالسواد ترفرف كعلم الوحدة والحرية والاشتراكية:

أنت مثقف ولازم تكون بعثي وإلا  ما تستأهل هواء العراق !!!

المشهد الثاني:

وأمام مكتبة"بناي" القريبة من ساحة التحرير التقيتُ بصديق مثقف منتم لحزب كنتُ انتمي إليه ، سألني عن الكتاب الذي احمله ، ناولته إياه فرحاً ، فأرجعه لي غاضباً : كيف تقرأ لهذا المنحرف ، المرتد ووو..ورشني بعشرات الوصفات المطبوخة في"وعيه" الإيديولوجي المُغلق ناعتاً بها المفكر روجيه غارودي وكتابه "واقعية بلا ضفاف" وتركني دون توديع ودود عوّدني عليه في لقاءاتنا السابقة.

مشهدان ينتميان لسبعينات القرن الماضي وان اختلفا في عناوينهما ونتائجهما، أدواتهما وغايتهما العقائدية الا انهما حاولا اغتيال أو اقتناص لحظة وعيّ بحريتي واختياري فضاء تفكير أرحب في تفاعلاته مع الحياة.

 

لا أشك في ارتباك حضوري ووجودي لو كان المشهد الثاني يمتلك سلطة القصر الجمهوري ، الا أن بإقصاء نفسي من هذا المشهد، أقصيتُ وعي من سرب الإجابات الجاهزة إلى حيث التساؤلات

المضيئة .

ولان المشهد الأول نفث في حياتي أدواته المتوحشة واستدعاني كمثقف هتّاف لغاياته المتخلفة لذلك كانت نتائجه منافي أربعة وعشرين عاما وغربة في جزيرة نائية ، نائية ، نائية وحيرة العمر الخمسيني للحصول على أجرة بطاقة سفر للعودة إلى الوطن بعد "تحريره" من أقذر طاغية!!

لن اقف على أطلال المشهدين لن اذرف عليهما صرخات التشكي والتفرج ، سأرمي الأول منه في مزبلة القادسيات المهزومة خاصة وان مؤسسها" القائد" قد "إنطمر" في حفرة العار ولن يعود.

ولكن منْ يضمن إيقاف إنتاج المشهد الثاني وبتعبيراته الأيديولوجية المتنوعة والإيمانية الملتبسة؟

منْ يُحرّك النسيم كي يفوح " معنى الحرية " ؟

ليس سهلاً إزالة ارث "عبودية السلطة والعقيدة" التي ألفها المواطن وطليعته النخب الثقافية ، ولنقل دون تواطؤ أنهما تواطأ مع ذلك الإرث لذلك فان عملية إزالته لا تُدشن بقرار ثقافي مؤدلج وإنما بفعل معرفي مضيء يؤسس لإنجاز نقيض العبودية ، الحرية هذه الكلمة الساحرة .

 

كيف يُنسج ويُعمم معناها ويبدأ ويُمارس فعلها في يوميات العراقيين؟

وإذا بعد هزيمة وتصفية الحسابات مع اقذر طاغية وبعد احتلال الوطن و"تحريره" منه " فاضت على العراقيين عثرات الطرق باتجاه حريتهم " فإن أسباب ومسببات تلك العثرات لا تكمن فقط في الحقبة الظلامية والمُلتبسة، حقبة العبودية وتفصيلاتها ومسمياتها وانما في "عقلية" مثقف راهن على يقينية أيديولوجيته أو ارتهن نفسه_ مع تغيير لجلده دون أن يُغيّر ما تحته_ وجعل قلمه رقماً يهتف بالشعارات والأفكار الجاهزة والمؤطرة ولا تهدف إلى كشف المستور وإلى أبعد من أنوف "حقائقه " التي أثقلت ذقون العراقيين  بالضحك واربكت رؤيتهم أو رؤاهم فيما إذا توجهت صوب الحرية.

إذن أي عقل ثقافي نريد ؟

في سياق الإجابة يمكن الإشارة إلى أمثلة تُذكر ولا تُقاس ومنها هذا المشهد:

أمام ذهول جمع من الكتّاب العراقيين وفي مكتب مجلة فتح الفلسطينية بدمشق حاول رسام (كان معارضاً عراقياً ) أن يرميني بـ"قوري الجاي" لأنني اختلفت  معه في الرأي ليس حول (مناخات) رسمه المستنسخة من لوحات إسماعيل الشيخلي وجواد سليم ولا حول فان كوخ وفازرللي آو إبداعات قتيبة الشيخ نوري إنما كان (خلافه) معي حول سياسيين (معارضين لصدام) قدموا إساءات إلى المثقفين  العراقيين في المنافي.

 

فهل يُصلّحْ هذا الرسام_المثقف الذي غيّر جلده بفتحه لجريدة تصدر في بغداد ما أفسده (قائد) حفرة العار؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

ومرة أخرى نسأل:

 أي مثقف يمكن أن يكون وسيطاً "بين هذا المواطن وبين وعيه لحريته الجديدة"؟

وكيف يمكن للمثقف أن ينجز  هذه"المهمة" إذا لم يحرر وعيه من الالتباس والارتهان واليقينيات ويشعل "نار الأسئلة في ضوء ما يحدث من التطورات والتحولات في الأفكار وفي الوقائع سواء.._أوهام النخبة_ كتاب لعلي حرب"؟

فالمشهد الثقافي العراقي لا يفتقر إلى حَمَلَة شعلة برومثيوس ومنهم المسرحيين الذين يتوهج فضاء المسرح بهم وتضئ كرنفالات عروضهم بأناشيد الحرية فيما إذا لم  تُفرض أحصنة مُدجّنة أمام عربات مسارحهم أو يُدفع المبدع للامتطاء تلك الأحصنة المدجّنة، خاصة وان مؤشرات الوقائع اليومية العراقية تلوّح ببروز وتسيّد حَمَلَة الحريات المُقننة عقائدياً وأيديولوجيا أو المسننّة وفق ديمقراطية الدبابة والذين لا يرتقون إلى مستوى الظمأ العراقي للحرية لأنهم سوف يكتفون بإنجاز إرادتهم وحرياتهم ونظرياتهم ، بها ومن خلال عصاها يتعاملون مع العراقيين دون إدراك منهم بأنه "لا يمكن لنظرية ثقافية أن تكون جديرة بالتصديق أذا اعتبرت الأفراد مجرد آليات أوتوماتيكية تتلقى المعايير السياسية ثم تتمثلها بشكل سلبي .._نظرية الثقافة لمجموعة من الكتّاب_ كتاب صادر عن سلسلة المعرفة الكويتية " خاصة وان الإنسان العراقي ورغم فجائعه وعوزه وحيرته ليس مهيأً للبقاء والاستمرار في خندق الموقف المسلوب والفعل السلبي.

والتاريخ يروي وكذلك الحاضر بان سياسيي الشعوب_وخاصة عشاق AIDS العظمة_ قد خربوا البلاد والعباد ، ويساهم مثقفوها المبدعون بإزالة الخرائب المادية والنفسية وإعادة مستلزمات النهوض لبناء حياة عادلة وآمنة ومضيئة وجوهر تلك المستلزمات العبارة الساحرةالحرية، والتي أسمعني والدي رنينها الأول.

 

 

 

 

 


 

فاروق صبري - نيوزيلاندا - خاص بــ جنـــــــون 20 / 2 / 2005