|
مـثـل الـمـاء . . . . لا يمكــن كســرهـا
فرات إسبر *
فصول الجنون
يوميات مجنون ( 1 ) : ج
أنا مَنْ تأتي النساءُ إليّ جميعاً مرتدياتٍ معاطفهن، محكماتٍ ربطِ الأزرار، وعَقدِ الشالات على نحورهن، كان بردّي يتسربُ في العظام بحنانهن وبمائي أغسلُ عطشَ السنين، ينابيع تتدفق، بحيرات تتراقص، شلالات تهبط، وأنا بعدهن الرجل الوحيد، يأخذن مائي، تخضر أجسادهن ويهربن مني إلى رجل آخر، وأبقى في برودة أيامي ألملمُ لهن المعاطفَ وزجاجاتِ الخمر والعطور، وأبكي نسائي اللواتي رحلن آخذاتٍ معهن بردي وصقيعي وآخر أيام الدفء.
يوميات مجنون ( 2 ) : ج
ذاك الغريب زرع الثمار، النساء تأتي إليّ بلباس البحر، والزرقة تسحرني، لست قادراً على التوازن، أنا الرجل الوقور، الحصادون، القادمون من الأعالي والنساء الهابطات إلى البحر، وأنا في لهيبِ شهواتي أحترقُ بالنظر، عليَّ أنا الرجل الوقور أنْ لا أنظر في أجسادهن، كان عليَّ أنْ أمثّل دور الناسك في عزلته، حيث يحضر الكل إليه، وهو في توهج الشمس ينضج ولا أحَدَ يدري اللهيب المشتعل في كيمياء جسده، كان عليَّ أنْ أقاوم رغباتي، الشمس التي ترتفع عالياً كانت تغريني في فراش الصباح، أنا الذي لا أقدر على البوح بمكنون أسراري، أنا أبو الطبيعة وكل الثمار أبنائي.
يوميات مجنون ( 3 ) : ج
الرجالُ والنساءُ عراة في سريري، يحضرُ إليَّ الجميع، وأنا اشهد يباسَ أجسادهم، النساء اللواتي هجرهن المحيض، النساء اللواتي لم يلدن، النساء اللواتي غدرن، ومعاطفهن عُلقت على مشاجب الشتاء، ورحلن إلى سرير الصيف عُدنَ إليّ، أكتشفُ عيوبهن، وكيف الورود بأجسادهن ذبلت وعلى قدمي ركع الرجال، أعطنا عشبة جللجامش عندنا نساءٌ شبقات، من الندى يرّغبن الكثير، وبمحيضهن تخضرّ الأرض.
يوميات مجنون ( 4 ) : ج
أنا رجلُ الحياة، أنا من تذوب الثلوج بحضرتي، وبقامتها تنحي، وكل النساء يحضرن، خائناتٍ، غادراتٍ، هاجراتٍ، في تفتح أجسادهن عريُ الفصول وحضوري الأول، ونشوة رجل يعاقر كلَّ نساءِ الأرض ولا يتعب، تأتي إليّ العيون مغادرةً سواقيها، والبحيرات تهجر حضن البحر، والحدائق في غفلةٍ من حرَّاسها تتسلل إليّ، شهية في حضورها، غانية في خضرتها، وعلى بابي أزرع فيها الذي أشاء.
موتنا الأخير لمن ينحني هذا الشجر
للخضرةِ اليانعة في جسده
أم للشمس سيدة النهار ؟
تأمره بالبهاء وعشق الورق
لمن ينحني هذا الشجر
لمدىً يسترسلُ في بُعده
أم للجبل المتوّج بغيوم حـُبلى
تدور كأنها رقصة أبدية
في رحى الكون
رأيتكَ يانعاً نقياً
في فراغ لا ينتهي
من ظلمةٍ ونور
تنـوِّرُ وجهَ العالم
تسيـِّجه بآهاتِ الحب
المعتق في جذركَ المجنون
تسند خصور النساء الولودات
في رحمهن بعضُ نسغ منك
ورقة تسقط
آخر ورقةٍ تشتعل ُ
نجمٌ بعيد أنتَ
شجرٌ أتسلقُ عليه بأحزاني
لأرتاح تحت وارفِ ظلك
مشتاقة لحقيبةِ طفولتي
أفتحها وأتركُ النهرَ يجري بها
أول الصبح …
بعد غياب الفجر
أنتَ المزروع في كل مكان
حارسُ الليل
حارسُ النهار
لا صوتَ لك سوى الصدى
يثير غيرته الهواء
كامرأةٍ تحرس الملاعبَ من وهج الشمس
تحمي طفولتنا من آثارها السمراء على جلد الأرض
لمن نذرت نفسك ؟
للرياح تحرث الأرضَ عند العاصفة
ليدِ غدر امتدت حولك
فاغتالت طفولتنا وحقيبة الأحلام
إننا موتك الأخير
وعلى جسدك نعبر إلى النهاية.
فرات اسبر - خـاص بــ جنـــــون 28 / 2 / 2005
فرات اسبر : * شاعرة سورية تقيم في نيوزيلاندا
إصدارها الجديد بعنوان مثل الماء لايمكن كسرها , ومنه كانت هذه النصوص
|