|
كيفك ..؟ شلونك ..؟
ها هو جنوني يكتمل كالبدر والورقة فاضت تؤنبني: كفاك ترتكب معي المعاصي.. تأملتها ملياً، وإذ بها تفيض جنوناً.. ماذا عساي أفعل بها؟ سارعت بتمزيقها وأنا أهلوس: لن يكون الكون جميلاً إلا إذا جنّ كل الناس. فكلما أمتليء جنوناً وأصرخ عالياً تكون لحظة النص قد داعبت قلمي كي ينطق ببعض ما أخفيه بين جوانحي من جنون. فكم علي المرء أن يكون رجلاً كي يستطيع أن يكتب في هذا الظرف الذي أنا فيه، أو بعبارة أخري: كم علي المرء أن يكون مجنوناً كي يستطيع البوح عن بنات صدره. ففي كل يوم يصر الناس وبإلحاح متكرر أن يذكروني بأني لست بخير، هذا لأن طيبتهم وواجبهم الاجتماعي يفرض عليهم أن يسألوني دوماً (شلونك) و(شخبارك) و(كيفك) وفي كل سؤال عن الحال أتذكر بأني لست بخير و(ماني مليح) هذا استناداً إلي مسرحية زياد الرحباني حينما يطلب ممن حوله ألا يسألوه عن أخباره كي لا يتذكر بأنه ليس (مليح). فما بالكما بفيروز التي تؤرقني بحنيتها حينما تدغدغني يومياً (كيفك إنت..؟). أما معلمي، فكلما كنت أسأله عن أخباره وأحواله كان يجيبني دائماً: (الله يديم الصحة وقلة العقل..) أستنكر: لماذا يا معلمي تتمني قلة العقل؟ يقول بزهو الخبير: كي لا أفكر كثيراً وأزيد همومي هماً جديداً. فعلاً قلة العقل باتت نعمة في زمن يستحق الهجاء... هذا حينما يقسم العالم إلي قسمين، الأول يقتل ويغتصب وينهب ويظلم الناس ويدعي بطلاً، والثاني يتناول العلقم مع الذل وحينما يطالب بحقه ويرد عن نفسه الظلم يسمي إرهابياً. فكيف لي ألا أهجو القرن الواحد والعشرين...!؟ كيف لي أن أضع رأسي علي وسادتي وقوافل الشهداء في أمتي تنهرني.. فعددها يفوق عدد الأحياء.. سألني قلمي: وهل أمتك لا تزال حية...؟ كنت سأجيبه لكنه تحرك بين أناملي يداعب بياض الورقة المجنونة التي بين يدي، وأخذ يخط (إما الاختناق أو الجنون.. وبالجنون ينتصر المتمرد ويفسح المجال لصوته كي يسمع، ينبغي أن يقف في الشارع ويصرخ بصوت عالٍ وهو ينبيء تلك الصحاري وتلك الأزمنة وتلك البوارج الإعلامية التي أباحت ضرب أمتي وسحقها، فهي كلها لن تقاوم أبداً إلا بالجنون...).
|