الشاعر عيسى الشيخ حسن في أناشيده المبللة بالحزن

بقلم : عبد العزيز المقالح


الشاعر : عبد العزيز المقالح


(1) 

 

رغم ما يضج به المشهد الشعري العربي الراهن من تناقض صارخ بين عمود كلاسيكي شديد المحافظة ، وقصيدة نثر ذات تكوين موغل في القطيعة مع كل الأشكال الشعرية قديمة كانت أو حديثة ، رغم ذلك كله إلا أن أصواتاً  شعرية تكتب شعراً جميلاً عذباً لا يقف وسيطاً بين محاكاة القديم أو الانقطاع عنه ، وإنما يبحث عن طريق لشعرٍ لا يتنكر لجوهر الشعر العربي وإيقاعاته المتعددة الأنغام ، ولا يقع في النمطية التقليدية أو الجديدة، إنه شعر  يستأثر بوجدان قارئه قد يجمع بين الوزن والقافية ، وقد يستغني عن الأخيرة أحياناً أو دائماً ، ومع ذلك فهو يقدم نصوصاً فائقة الجمال تغوص في وجدان القارئ ، ولا تتوقف إلا في الأعماق ، ويبدو أن هذا المستوى من الإبداع الشعري سيواصل رحلته ، واثقاً من نجاحه على الفوز بجمهور واسع من محبي الشعر " رغم بعثرته للجملة الشعرية وخلخلته للنسق الشعري القديم ولن يكون قادراً على الانتشار وحسب " بل على الاحتفاظ بقارئه دونما تفريط في الاقتراب من العالم البكر للقصيدة ، والنماذج على المستوى كثيرة ومن ذلك مايكتبه الشاعر عيسى الشيخ حسن عربي سوري مقيم في قطر ،  ومنذ وقت غير قصير وهو يتمرس على تسلق دوحة الشعر،  والتقاط ما يشاء من صور ثمراتها المدهشة ..


قرائي خمسة
أمي حين تلامس حزني

وصديقي يقرأني كي يتذكر نفسه

ورفيقة دربي حين تفاجئني خلسة

ورقيب يتصيد
أخطائي المندسة
وأنا

آه مـــــن ولــــد أهمـــــل درســـــــــــه

 عنوان هذا النص البديع في لغته وإيقاعه وفي كثافته   بيان يقدم فيه  الشاعر عيسى الشيخ حسن نفسه إلى القارئ في مجموعته الشعرية أناشيد مبللة بالحزن ، وأثق أن القارئ عندما يندمج في قراءة هذه المجموعة الشعرية البديعة سوف ينسى التنظيرات النقدية ، وينسى ما قيل ويقال عن الجديد والقديم ، وسيشعر فقط أنه مع الشعر وجهاً لوجه ، وسيدرك كذلك أنه مع مستوى من الكتابة الشعرية ، لا يذكره بأحد من الشعراء القدماء أو المحدثين ، وأن صاحب هذه الكتابة الشعرية لم يكن وهو يكتب نصوصه يفكر هل يضعها بصيغة التعبير القديم أم الجديد؟  وإن كان يدخل إلى الشعر مباشرة غير مبالٍ  بالشكل أو المضمون ، وإنما به كله مستغرق في التقاط الحلم الذي يصنع النص الشعري ، ويحقق راهنية التعبير الذاتي المجرد من أي تصور سابق

 

 "يرتكب الحطابون أغانيهم
حين يمرون على جسر البلدة
فتهم الغابات الثكلى
بالهرب إلى كل الأنحاء
لكن تتعثر
تمسكها أشذاء النعنع
وبكاء الطير
و أنّات ظباء  
يلحقها الحطابون
يقصون ضفائرها كي تصبح أجمل
هيهات
فكيف يغني النهر لفاتنةٍ

فقدت في الليل جدائلها الخضراء


هذا شعر جميل بغض النظر عن وجود القافية أو غيابها " وعن مساحة السطر " طالت أم قصرت " وعن النص نفسه طال أم أختزله التكثيف .

 


الشاعر عيسى الشيخ حسن


(2)

في حديثه العميق و الأوضح عن أوهام الحداثة ، كما يتباهى بها بعض هواة الشعر ، أو كما يتم تسطيحها على المستوى الصحفي الإعلامي ، يشير أدونيس إلى وهمين قاتلين للشعر هما " وهم المماثلة " ووهم المغايرة " ويقول

: " إن بعض الذين يمارسون كتابة الشعر نثراً يرون أن الكتابة بالنثر من حيث هي تماثل كامل مع الكتابة الشعرية الغربية ،  وتغاير كامل مع الكتابة الشعرية العربية ، إنما هي تجربة الحداثة ويذهبون في رأيهم إلى القول بنفي الوزن  " ناظرين إليه كرمز لقديم يناقض الحديث "

 إن هؤلاء لايؤكدون على الشعر بقدر ما يؤكدون على الأداء النثر كالوزن أداة " ولا يحقق استخدامه بذاته " الشعر " فكما إننا نعرف الكتابة بالوزن لا شعر فيها ، فإننا نعرف كتابة بالنثر لا شعر فيها " .
أسترجع اليوم هذا الموقف العميق لشاعر كبير في موضوعه " الوزن والنثر " لكي أواصل الحديث عن الشاعر عيسى الشيخ حسن " في مجموعته الشعرية أناشيد مبللة بالحزن " وهي مجموعة يحرص صاحبها كما رأينا في الجزء الأول من هذه القراءة السريعة على الوزن حرصه على الشعر نفسه ،  "  

واهتمامه بالقافية في حدود ما يتحمله الشعر و يهمني في هذه الإشارة المقتبسة من أدونيس تركيزه على أن نفي الوزن من القصيدة العربية الحديثة لا يكشف عن رؤية تحديثية " فالشعر الحقيقي مستوى من التعبير يحتمل أن يكون موزوناً ، وأن يكون نثراً إذا ما اكتملت له شروط الإبداع وجماليات الفن الشعري "
وهذه الخصائص أو الشروط مجتمعة في شعر عيسى الشيخ حسن وإذا كان في بيانه الأول قد حدد قراءه بخمسة " فإنه في بيان متأخر يعود ليقول لنا لم يتبق لنا سوى إثنين:

" والأن
لم يتبقَ  من قرائي
إلا اثنان
( أمي تركتني
كي تنسج حبات الدمع
قميصاً لمكاتيب أخي
المغترب النائي
حتى الإدمان
وصديقي تطحنه الدنيا
حتى ما عاد يفك الخط
فآه ٍ  من هذا النسيان
ورفيقة دربي
يشغلها عني المرض الداهم
والأقراص
فلم يتبق منها إلا الذكرى
والعينان )
ـ مازال على العهد رقيبي
يتلذذ حين يذاكرني
كي يلقي القبض
على أخطائي
من دون توان


 

                                                                               

ـ وأنا
أقراني
أتلوني
علي أمسح عن وجه العالم
بعض الأحزان ".

مرة أخرى هذا شعر جميل " وموضوعه ليس سر جماله الوحيد ، ولهذه الدرامية المتوهجة في حركية تكشف أثر الزمن وتداعياته المريرة على ثلاثة من قرائه " حيث لا يكتفي بشطبهم من قائمة قرائه القليلين وحسب " بل يعمد إلى وصفهم في دائرة من هموم الحياة " فتعاستها وأمراضها كل ذلك يحدث في مساحة من نصية قصيرة نسبياً " .

وهذه الإشارة الأخيرة تدعو إلى القول إنّ  الشاعر عيسى الشيخ حسن " ينتمي إلى تيار من الشعراء يميلون إلى كتابة القصيدة القصيرة المكثفة " تلك التي لا تهتم بالتفاصيل. " وترفض الترهل اللفظي " والوصفي باعتبارهما من مساوئ الشعر قديمه وحديثه " وجزء كبير من قصائد المجموعة وموضوع الحديث تكاد تكون من هذا النوع الذي يدعي بقصيدة التوقيعات أو القصيدة القصير جداً ، و  من تلك التوقيعات قصيدة بعنوان " المتنبي  " لا تزيد  سطورها على خمسة

 

سيد من أرق
يتثاءب في جملةٍ وينام
يتّكي كالندامى على صرةً
من ورق
فتذر على حزنه حفنة من كلام.


نشرت في الملحق الثقافي لصحيفة الثورة

بتاريخ 12 محرم 1426ه الموافق 21 فبراير 2005م العدد 14712 والعدد الذي يليه


 

 جنـــــــون

23/10/2005


 

 

عبد العزيز المقالح : رئيس وزراء اليمن السابق  وناقد وشاعر

عيسى الشيخ حسن: شاعر سوري مقيم في قطر