ماذا يعني أن تموت منى كريم ؟
 
 

 

مــنـــى كريـــــــــــــم *


كن ت أتمنى مسبقا أن أكون رسامة أو عازفة عود ، لكن هذا حين كنت في السادسة ، الآن لا أقدر على رسم دائرة أو حتى خط مستقيم .. صحيح أنني أحمل شغفاً بالشعر ، لكنني أتشاجر معه دائما ، و أحيانا يعلو صراخنا لدرجة تثير تذمر الجيران ، اكتب و لا اعلم لماذا ، أريد أن أتوقف لكنني حينها اكتب أكثر ، أريد أن لا انشر لكنني أريد لصرختي أن تراقص قلب شخص ما .. لذا أعيش و بشكل غريب ، أحب غيفارا و أميل للماركسية ، لكنني مهتمة أيضا بسارتر و بروتون و الفوضويين ، أضف إلى ذلك أن كوفسكي و ريتسوس و رامبو هم أحبائي بلا شك ، يعجبني منير بشير و ماريا كالاس ، لكنني أبكي بحرقة على صوت ياس خضر أو رياض أحمد أو داخل ، حضيري .. الخ .. غرفتي زاخرة بالقصاصات ، فراشات متناثرة في كل مكان .. و على الباب : ( وطن خاص جدا ) .. يوميا أرجو أمي أن ارتشف سيجارة و تنهرني طبعا .. أذكر أنني حاولت تقليد ساحر ما في طفولتي حيث ارتشف سيجارة و نفث دخانها في فقاعة ماء .. جربت الحركة أنا و أخي و النتيجة إننا وقفنا أمام طابور من أولياء الأمور يرسمون أصابعهم على فناجين وجوهنا المخدشة .. لا اعلم لماذا أكتب كل هذا ، لكنها أصابعي بدأت تركض كما يقول ساراماغو .. مازلت إلى الآن ابحث عن ذاتي و أنا لا  اعلم أين أجد نفسي ،

في طفولتي التي لم أعشها أبدا كنت العب مع الصبية و تخيفني فكرة اللعب مع عرائس ميتة ، قائدة لفريق كرة قدم ، و حين أجاهد في التسلل للشارع دائما يوكلون لي حراسة المرمى كي يسهل العقاب إذا اكتشفوني متلبسة بالجرائم ( جريمة اللعب مع الأولاد ، و جريمة الخروج إلى الشارع ) .. بعدها دخلت قفص الكتب و بدأت اقرأ إلى أن نسيت الركض ، لم أكن فتاة أبدا و لا طفلة و لا صبي ، كنت ضائعة و ما زلت .. كان شعري قصير جدا ، لكنني إلى الآن لم أجدني فيّ .. يا للبؤس.. لدي ثلاثة إخوة و ثلاث أخوات .. أب في الأربعين و أم في الثلاثين .. مهمة الجميع معاتبتي على سذاجتي و عصبيتي ، مهمتهم أن يذكروني دائما حين يعلو صوتي بكلمات قصيدة مظفر : يا وطني ، هل أنت وطن الأعداء أم أنت بقية داحس و الغبراء ؟! ، يذكروني بأنهم هم وطني و مسافات الأرض مجرد غبار .. الآن أمامي عام واحد و انتهي من الثانوية ، لو  كنت رجلا لقررت أن أبيع الجرائد ، لكن للأسف يجب أن اختار غير ذلك .. لذا سأدرس الأدب الإنكليزي ، أحلم كثيرا بالخروج من خرافة ( العالم العربي ) إلى أي جحيم في العالم ، حيث الأشخاص في زحام السيارات لا يخرجون من مركباتهم و يشتمون : يا بن الكلب أتحرك .. لكنني أيضا أريد أن أملك أرض صغيرة مليئة بالنخيل احرثها فقط و اشرب من نهرها ، بينما أنسى تدريجيا كلام كافكا و طريقة إمساك القلم ..

بدأت هذه الأيام أتخيل بوسترات بألوان جميلة ، شرائط متحركة تعلن خبر : وفاة منى كريم ، حين أخبرت والدي بذلك ، اخبرني بعد ضحكة قصيرة : منى كريم ماتت ، و تخرج المظاهرات في الشوارع .. لم ينتبه لي ، لم يفهمني ، بصراحة قمت برسم ثلاث بوسترات جميلة كلها مستوحاة من قصائد مظفر النواب : " لا مو حزن لكن حزين " ، " يا ريت أعرفك يا حزن " و قصيدة " حطينا بنفسجنا و مشينا " .. المسألة ليست مسألة استدرار الرحمة ، إنها مسألة كتبتها في قصيدة قديمة : " أن تختار قبرك منذ سن الطفولة " .. البوسترات التي رسمتها جميلة ، ألوانها زاهية ، لا شيء جديد فيها .. كم أتمنى أن أعرف كيف سيكون البوستر الذي سيضعه صموئيل شمعون عن موتي !!

المشكلة في البوسترات التي صممتها أنها تكتب عن فتاة بلا هوية ، سيحتاج الجميع أن يكتبوا منى كريم فقط و ملتصقة بالموت فقط .. أعتقد لو كانت هنالك هوية لما تجرأت و وقفت في صف الموت .

حين كنت في الصف الأول أخبرتني المدرسة يجب أن تحرصي على الصلاة ، إذا كنت تشاهدين رسوم متحركة و حان موعد الصلاة اذهبي للصلاة و إلا فإن الله يوم القيامة سيقطع رأسك و يمارس عليه الكثير من أساليب التعذيب !! يومها عدت إلى أمي و بدأت ألاحقها حتى إذا غافلني الله اختبئ خلفها ، لن يستطيع لمسي !!

 

سألني أحد الأصدقاء ذات يوم : منى لو تم تخييرك ماذا تأخذين معك للقبر ؟ كان السؤال صعب بحق ، لم أعرف كيف سأترك كل هذا الكم من الأشرطة القديمة و ألبوماتي التي جمعت بها صور غيفارا و كتب أحبها ، رسائل صديقاتي التي قررت أن أنساهن بمجرد انتقالهن لمدرسة أخرى أو منطقة أخرى .

لا أعرف ما معنى أن تموت منى كريم .. سألت أمي لكنها لم تجبني بشيء محدد ، أخبرتني رغم أنك أكثر أطفالي إزعاجا على الإطلاق لكن الحياة لا تطاق من دونك !! كنت اعتقد أنها تحب أخي الأصغر فقط ، بالطبع فكرت كالكثيرين بالانتحار ، لكن المحاولات تفشل ، أحيانا أجد في موتي منفعة ، منفعة لإحدى الكاتبات التي ترغب بالفعل أن تموت منى ، و آخر يبعث لي رسائل بأني طفلة كاذبة و حقيرة ..

أن تموت معناه أن تتحرر كما يرى مونتاني الفرنسي .. ادعو لي أن أموت .. ادعو لي أيضا أن يـُحشى قبري بكل ما أريده ، و على صوت فيروز و هي تقول : " فزعانة يا قلبي ، اكبر بهالغربة و ما تعرفني بلادي خدني على بلادي " ..

لنرتكب مقبرة جماعية و نموت كلنا ..

 

" حين أموت : عشب مطر منهمر " هايكو – تانيدا

 

 
 

 
 
قمت بالسطو على النص ونشره من موقع الشاعرة
مؤيد

منى كريم 
شاعرة عراقية - لما تبلغ العشرين من عمرها بعد
تلعب بضفائر الشعر كطفلة شقية , و تدخنه كصبية مراهقة مجنونة تتحدى أمها , وتغرده كامرأة لتقنع حبيبها بأنها أفضل النساء , أتقنت الشعر منذ الطفولة , ولها دوواوين شعر مطبوعة , كما لها بحوث في الأسطورة وقراءات في الميثولوجيا