سلالم لصعود الموتى
فحنطتك ضدك . لكني محتشدا بالموت والوقت طبيبُُ متأخرُُ يرفعُ السلالم لصعود الموتى فوقعتُ كمن يقعُ في نوم سبقهُ نومُُ آخرُ، ثم يمضي لينام إلى الأبد، تاركا لغيبوبته تقشير الوقت، أو وضع صيغة نهائية لمسألة الانتحار، فسمعتُ من يقولُ. أين وصيتك ؟ قلتُ . أبي مات دون وصية وأمي كذلك. لكنه أعارني قلمهُ وأجبرني على الكتابة، وبينما أنا منكبُُ على كتابة لا تنتهي، كانتْ أمي واقفة تحدقُ في أصابعي، لم أندهش، بل تملكني خجلُُ جعلني أخفي أصابعي القصيرة جدا إزاء أظافري الطويلة، ولا إراديا قلتُ: الأظافرُ رئات الأصابع، لكنها قالتْ: أصابعك نارُُ في يد الحريق، فأخفيتُ أصابعي بين كومة الأوراق، متوسلا بنظرتي تفسيرا، بينما كان الدخانُ يتصاعدُ من الأوراق متوسلا إلى النار أن يتخفى في ثياب الرماد، صحتُ بصوت عال: أمي لم تصب يداي بأي حروق، انتابني حينها خجلُُ لا يوصفُ لتصرفي الطفولي، وكب أخفي الطفل الذي لا يتركني صرتُ أطقطقُ أصابعي كي أريح خجلي، ولك لم يطق معي إصبع واحدُُ، فرفعتُ رأسي، كانت أمي كوقوفها الأول تنظرُ إلى محاولاتي اليائسة، فابتسمتُ لأجتاز هذا الفشل، فصرتُ أسحبُ إصبعي، فبدل أن أسمع الطقة كنتُ أسمعُ أنين الألم وهو ينسحبُ من الإصبع ليستقر في االكف الذي خسر إصبعا، فكلما سحبتُ إصبعا بقي في اليد المسحوبة، حتى وجدتُ اليدين بدون أصابع، فأظهرتُ الطفل الذي أخفيتُهُ ليترجم أنين الألم في الكفين إلى دموع يسبقهُ كعادة الأطفال بكاءا شديدا. سحبتني أمي من يدي وعلى مسافة ثلاثة أمتار تركتني محدقا في مرآة الخزانة الكبيرة والتي عمرها خمسون عاما، للوهلة الأولى مسحتُ عيني من الذهول، فبدل أنْ أرى نفسي كنتُ أرى أبي، فتذكرتُ أطفال طفولتي طفلا طفلا حتى إنني سمعتُ نفسي أردد أغنية الطفولة والخاصة برؤية الآباء، فرددتُ طفولتي حرفا حرفا على أب يقلدني في المرآة، فصرتُ أغني: أبي اسرق الماء، لأكون نهرا. ثم التفتُ حولي، لم أجد أمي، فصرتُ أخبطُ يدي في المرآة، ثم رأسي حتى ظننتُ أن جسمي أياد لا تحصى، فصرتُ أخبطُ أخبطُ حتى سال مني ماءُُ كثيرُُ.لم أنتبه إلى نفسي، إلا حين أن أذان الفجر -كعادته- كان المنبه الوحيد لموعد نومي، فتمددتُ على الأرض، بينما روحي كانتْ تنسربُ نقطة نقطة من فتحة صغيرة في أسفل الباب، وشعرتُ أن الماء بدأ يتنفسُ الصعداء، وبدأتُ الغرفةُ تنحسرُ عن أعضائي ببطء مميت، لأرى قلبي يسيلُ في مكان، وكليتي في مكان آخر، وكذلك جميعُ أعضائي كانت تسيلُ.
لا أعرف كم مضى علي وأنا أسيلُ، لكن أخي كان يخاطبُ العائلة كلاما أظنُ أنني سمعتهُ من قبل، وانتبهتُ إلى يده الممسكة بحذر شديد بسنارة صيد، لكنهُ كان يشيرُ بالأُخرى إلي، وهو يتحسرُ في كلامه. هذا النهر، إيه هذا النهر منذ خمسين عاما وهو محبوسُُ في مرآة الخزانة، قدمهُ والدنا مهرا لأمنا التي كانت تصغرهُ بثلاثين عاما، بعد رضوخ والدي أمنا لسلطان الذهب، مما جعل أمنا تذبلُ تحت أربع قبضات عرفن القسوة جيدا، وفي كل مرة كانت تنجو من الموت بأعجوبة، إلى أن لجأ والدنا إلى حيلة جديدة كي يخفف قسوة الوالدين، ففي احد الصباحات كانت أمنا تلعبُ مع أترابها الصغار، لعبة - النهر السريع- اقترب والدنا منها- محملا كعادته بالذهب- فضحكت من هديته وهي تقولُ: أريدُ نهر-علاوي-. دُهش والدنا، لكنها أصرتْ وذهبتْ إلى أترابها، ونهرُ علاوي سُرق في نفس اليوم الذي انبثت فيها طاحونة، ليصبح معروفا منذ ذلك اليوم، بنهر- أشي علاوي-. وكمن يسمعُ الحكاية للمرة الألف كنتُ أسيلُ بوجعي لا إراديا بأعضاء يراها أهلي أسمكا وحيوانات مائية، فمنهم من أصطاد قلبي، كليتي، كبدي، بنكرياسي، لوزتي، قضيبي، أذني، عيني، معدتي أنفي، الخ لكن أخيرا أغمي علي عندما امتدتْ يدُ زوجة أخي إلى خصيتي، لا أعرفُ إنْ كان خجلا مني أم ألما شديدا ادعى ذلك.
- جميعُ الأنهار الحقيقية مصيرُها البحرُ. على هذه الجملة فتصغيرة، ي على أب ينسجُ في بركة ماء أنهارا صغيرة، ثم يطلقُها من فتحة صغيرة جدا، وهو يكرر نفس الجملة، حتى أتى على آخر نقطة ماء، ثم التفت إلي: أمك مشغولةُُ بك. اتجه نظري إلى فتحة ينسربُ منها نورُُ إلي وقبل أن أسأل، التفت إلي ثانية كمن يقلدُ دهشتي، وبينما أراقبُ المشهد بجدية قالتْ أمي: أما زلت أمام المرآة، مسحتُ عيني من الذهول - كما في المرة الأولى - لكنها همت بفتح الباب، لكني وجدتُ نفسي راكعا، وخرج مني صوتُُ متوسلُُ فالتفتت إلي، حينها دخل طفلُُ ثم دخل شابُُ. كانت رائحةُ شواء آدمي تفوحُ منهما، فكدتُ أسألُ، لكنها أسرعتْ بالجواب: هما خالاك، رن في أذني طويلا، ثم أضافتْ هما شهداءُ حريق- سينما عامودةـ حينها لم أعرف هل المفاجأةُ أم رائحةُ الشواء كانتْ سببا في إغمائي، فعندما استرددتُ وعيي أحسستُ أنني في حريق حقيقي وأن - محمد آغا الدقوري- يقتربُ مني، طالما كنتُ أقفُ كل يوم أمام تمثاله المحمل بالشهداء، المنصوب في حديقة - عامودا - وقلتُ في نفسي- أكيد أنه قد حفظ شكلي وسوف ينقذني، حينها شتتني رائحةُ شواء لما يقاربُ مائتي آدمي، لتأخذ قدماي كل ما في أقدام الغزلان من هروب، فلم أجد أمامي سوى سلم يصعدني، نظرتُ فوق، تحت الجدران، كان ثمة سلمُُ ينزلُ مني دعسة دعسة كعرق بارد، مما جعل الباب ينفتحُ أمام عيني- أكثر من المعتاد - حتى رأيتُ أمي وهي تصعدُ سلما، ومع كل دعسة كان ينمحي الجزءُ المدعوسُ، وعندما حاولتُ مناداتها كانت قد احترقتْ. فنزل مطرُُ بالمظلات، ناديتُ بأعلى صوتي: أمي، المطرُ ينزلُ بالمظلات، والمظلةُ التي تنفتحُ ستكون النقطة التي أنتظرها.
لقمان محمــــود 10 / 2 / 2005
|