|
إلى غازي يومَ قلقِهِ الأبديِّ
في الأمسية التي نظمها نادي الجسرة الاجتماعي الثقافي في دولة قطر تكريما للشاعر غازي الذيبة الذي يغادر الدوحة بعد تسع سنوات من العمل فيها يطل علينا الأصدقاء بكم هائل من الحزن والقلق تعبيرا عن ألمهم لرحيل غازي , وقد شارك كل من أعضاء وشعراء جماعة قلق الشعرية بهذه المناسبة كما ألقى العديد من الأصدقاء والشعراء الآخرين كلماتهم في هذه المناسبة وهنا نورد بعضا منها
الشاعر غازي الذيبة
" موسم العودة إلى الشمال "
عيسى الشيخ حسن
الشاعر افتضحت قصيدته تماماً ، و المقام رثاء ، و الإيقاع على بعد " دقيقة ... ويخرج حيا" ، و تموز هناك على " حافة الموسيقا " ، يرتجل الجهات ..والسماء والذكرى ، محتشدة في " جمل منسية " كأنها لم تكن ، الشاعر افتضحت قصيدته ..ليس تماماً ، بل بمقدار ما يسمح للمرأة أن تتهجى نومه ، و تنسى أنه سيعود إليها ، ليمكث على مقربة منها ، تسمح له على الأقل أن يحمل مظلته إذا هبط الثلج على مرج السلطان ، و أومض البرق في الظلماء من مرج ابن عامر ، والشاعر افتضحت قصيدته ، لا ليعلن َ فداحة النهر في ضمير الغائب ، ولا ليشهر نسيانه ، ولا ليتركنا هنا نحتمل تأويله ، و نتآمر مع الريح والموج وكرّ الجديدين ..على هزّ شجرةِ الوفاء . الشاعر من لغة ينتهي إليها ، وإن خانها ، و ينتمي إلى شغبها و إن طار بعيداً ، و يستظل بغيمتها ... " حاسر الرأس عند كلّ جمال " ، تختطفه جنيات الكلمة أوّل القصيدة ، و تعيده وفي يده باقة ألوان ٍ ، و شتلة ُ حزن .
حين عرفت غازي الذيبة كان قد سبقني إلى الدوحة بثلاث ، مشغولاً بمهنة المتاعب ، وكنت جديداً على الغربة ِ والمدينة في آن ، أهش بالقصيدة على الحزن ، متلمّساً في قلقها طمأنينتي ، وفي صخبها سكوني ، أتكئ عليها ، و تتطاول بي ، وفي الوطن كان فاروق يوسف وغازي الذيبة نعم الصديقين اللذين أنست بهما ، و تبادلت معهما نشوة القصيدة ، و ذبول الحديقة التي آلت إلى يباسٍ و سواد . كان غازي وكما هو دائماً الصحفي.. الشاعر.. الإنسان ، عالي النزق ، حاضر الأسى ، و رائع الذائقة ، أليف الكلمة ، يكتب في السياسة فإذا الأحداث تتشعرن على إيقاع " فعولن مفاعيلن " ، و تقوله القصيدة عائدة من جهات الدم ، و الأخبار العاجلة ، له أسلوبه الذي يميزه عن أصدقائه ، وله حضوره المتفرد بيننا نحن صعاليك المدينة ، فيسخط .. ويصخب ... ويرضى ... ويضحك ، وفي النهاية يمنحنا إحساساً ما ـ وإن تقاربت أعمارنا ـ بأنه الأخ الكبير ، الذي نستند إليه كأي جدار، من طين منسي في غابة الإسمنت التي تكاثفت ، وخنقت . و أحالتنا إلى نماذج عنها ، كجدران تمشي و تركض و تنام وتتطاول ، من دون أن تذرف دمعة واحدة .
وكان غازي الذيبة كما هو دائماً قريباً من فلسطينه ، يكتب إليها رسائله ، ويسترق السمع إلى أنينها ، و يرتشف معها كؤوس الخيبات المتجددة ، التي لا تفتأ هبات الغزاة تتوافد عليها ، دون أن تنسى نصيبها من " ظلم ذوي القربى " وتناسي الأهل في القبيلة الكبيرة ، بعد أن تكاثرت الظباء على خراشٍ ، واتسع الخرق على الراقع ، ويذكر غازي يومها أننا كتبنا إلى كل من يهمه الأمر قبل أن يدهم المغول حصون بغداد ، و يذكر كم صمتنا بعدها ، آيلين للنهوض ..بعد موت أو موتين أو قصيدة . الشاعر افتضحت قصيدته تماما ً ، والشاعر يترك أصدقاءه في علبة الصدفة الملونة ، يتدحرجون و يختلفون ، و يتدحرجون و يختلفون ، يتبادلون سهامهم و خيباتهم و أحلام العصفور الواهنة ، النائسة بين فخ يكسر الجناح ، وحبة تملأ الفم ، لا يترك الحبة ، ولا يتركه القيد ..تاركاً قصائده في حبرها الأبيض ، و ضحكاته في مقاهي المدينة ، وصخبه في الجريدة و الجسرة و منتديات الثقافة في مظانّها .
الشاعر يتركنا ويرحل ، متلفعاً ابتسامة صافية ، بريئة من كلّ توتّر ، و ملائكية تسكن عينيه أكثر ، و طمأنينة تقرّ مثل كل محارب ٍ رمى سلاحه إلى حين ، و تماثل لاستراحة ٍ طويلة. حين تعود يا صديقي ، أرجو أن تنسانا لكي نرتاح منك ، وأرجو أن تغفو قليلاً ، وتحلم أحلاماً أخرى ، تنبت فيها عروق الريحان ، أيضاً لا تخف علينا ، سنشتمك كثيراً لأنك غادرتنا . سنشتمك كثيراً يا صديقي .
كلمة الشاعر عيسى الشيخ حسن
إلى غازي يومَ قلقِهِ الأبديِّ
" سلاما أيها الغيمُ المغادرُ نصَّنا من قبلِ أنْ يبتلَّ ريقَه "
* نعمْ : أيها القلِقُ الدافنُ رعشَ المسافةِ
دونَ التباسٍ بماءِ البصيرْ
سنبكي لأجلِ ارتحالِكَ دهراً ، و نمسحُ عنكَ عناءَ البكاءْ ثمَّ نشيلُ اضجاعَ الأغاني على بردةِ النهرِ نمضي ، و نمشي إلى وحشةِ اللا انتهاءْ و حينَ نُغِذُّ المسيرَ إلى حقلِكَ المشتهى سنضيءُ كوى النصِّ فينا إلى شُرُفاتِ يديكْ .. * نعمْ : أيها القلِقْ : ستأتي الخيولُ إلى راحتيكْ و تشربُ حتى ارتدادِ الصهيلِ ركامَ المرايا ستجمعُ رملَ الحوافرِ قبلَ انطفاءِ الروابي على مهمهِ الشهواتِ
تعيدُ إليكَ القتامةَ نوراً قُبيلَ انصهارِ الصدى ، و انفتاحِ الألقْ و تُنبتُ قربَ النخيلِ الوصايا أهذا التشنُّجُ ظلَّ المخافةِ حينَ ارتباكي بقايا انزواءْ ..؟ أهذا التعلُّقُ بالخطواتِ تخيطُ ندائي بوجدِ التضرُّعِ
حتى تفيءَ إلينا ركابُ الشتاءْ ..؟ لإيلافِ وجهِكَ سروُ المدائنِ يأنقُ بالنصِّ ، يرتكبُ الزهوَ وقتَ انكسارِ المساءْ * نعمْ : أيها القلِقْ
ستحملُ فوقَ المتاعِ ضفافاً فرحماكَ : جدولْ أنينَ الضفافْ و خذها إلى مأمنِ الروضِ حينَ نخافُ و خذْ بحرَنا كيْ نفيضَ إليكْ قليلاً .. كثيراً منَ الوجدِ لا فرقَ كلُّ الروافدِ تنمو ، و تشدو على ضفّتيكْ أ لستَ استبحتَ المسرّاتِ ، و الشهَقاتِ بُعيدَ ارتشافِ الحروفِ حدودَ الجفافْ فدعْنا نفكُّ رموزَ السؤالِ المريرِ عسانا نجيدُ امتطاءَ الجوابْ : إذا أنتَ تبني المصابيحَ بالعشقِ كيفَ يُباحُ انطفاءُ النجومْ ..؟ إذا أنتَ أسدلتَ فجراً مطيراً منَ الولهِ الدافئ فوقَ ارتعاشِ البيادرِ كيفَ تُراقُ رِئاتُ الغيومْ ..؟ سلامٌ عليكَ على الراحلينَ يهشُّونَ ريحَ الأسى بصباحٍ أفولْ سلامٌ علينا و نحنُ نلمُّ لُهاثَكَ حينَ يقيلُ بثغرِ العويلْ سلامٌ عليهمْ و همْ يفتحونَ كتلكَ النوارسِ صدرَ القصيدةِ حتى تعومَ الرؤى هيَجانَ الطلولْ سلامٌ عليكَ ، علينا ، عليهمْ على كلِّ نصٍ شهيدٍ سلامْ بسام علواني
كلمة الشاعر بسام علواني على شكل قصيدة وهي رد على قصيدة الشاعر غازي التي سبق نشرها في الموقع (ظلال نراجيلكم ) كقصيدة وداعيّة لشعراء جماعة قلق والأصدقاء
إلى اللقاء يا غازي الذيبة
غازي الذيبةإلى اللقاء يا غازي الذيبة
مثل كل الصداقات العميقة، البريئة، الطفولية، كانت صداقة غازي الذيبة، في أحد شوارع حي المنصورة بالدوحة وبالصدفة البحتة اكتشفت أن الشعر وحده يحدد علاقتي مع الكائنات الأخرى، وغازي كائن بريّ ورافض وقنوع أحياناً وخجول مثلي، ولكنه في كل الأحيان يقدس الملل.
نعم، يجب أن يمل الشاعر حتى لا يفقد صلته بالحياة، إن الموتى وحدهم لا يملون، أما الشاعر فيبحث عن كواكب أخرى ونجوم جديدة وأزهار ونساء وحروف وألوان يخترعها بخياله إن لم يجدها في الواقع.
بهذا المنطق الملتوي كدرب ريفي عشوائي أمضى غازي حياته في قطر، ولذلك ليس من الصعب أن نجد تفسيراً لصداقتنا نحن الاثنين، وباعتبارنا عملنا نحن الاثنين في ( المحنة ) الجميلة ذاتها، فقد كنا نكتشف أننا نقف أمام اللوحات ذاتها التي تثير انجذابنا، ونستمع بشغف للمعزوفة الموسيقية التي ترقص على إيقاعاتها الخيول الزرقاء .. ونشيح طرفاً عن الممثل الأخرق ذاته، ثم نعانقه بحب إذا قابل انتقادنا اللاذع بحب، أما إذا حدث وأصيب أحدنا بالإرهاق أو بضيف فضولي اقتحم على حين غرة زحمة انشغالنا أو بكسل مفاجئ فإنه يترك للآخر تسجيل الانطباع، لأنه سيكون ذاته حول أية قضية أو شخص أو قصيدة ولكن وحتى لا تجرفنا العاطفة بطوفانها دعونا نعود ونمجد الملل !
إن غازي الذيبة لا يطاق، أول عيوبه أنه لا يقدر الصداقة حق التقدير، فهو أناني وعدواني إلى حد بعيد، لقد فاجأنا جميعاً بقراره المتضمن شيئاً يشبه الرحيل إلى أرض أخرى، دون أن يخبر أحداً ودون أن يطلب الإذن منا، نحن أصدقاءه المقربين، أو هكذا نظن، إذا كان يعتقد أنه بقراءته لأشعار لوركا وبوشكين وعرار يعطي انطباعاً لمن حوله بأنه حر وقادر على المباغتة فهو مخطئ جداً .
سوف نحاصره بمواقفنا ونجعله يعدل عن قراره، ونطالب العواصم الغربية بالخروج في مظاهرات سلمية حاشدة من أجل عودته إلى مكتبه المتواضع والذي شهد إنجازاته وكفاحه اليومي من أجل الحياة والشعر والجلوس في المقهى نهاية كل أسبوع .
أنشأنا سوية جماعة " شغب " الشعرية وفي لحظة بارقة من مسيرة الأكوان نحو نهاية مجهولة بالنسبة لنا اتفقنا على إيقاظ الأعشاب من غفوتها واستفزاز الطيور والأسماك الحمر، واللعب مع الأطفال وكتابة القصائد في جميع الأوقات، والضحك على كل من تسول له نفسه بغير الشعر.
ولعل الأصدقاء يذكرون لعبة الجذب والشد بيننا، حين كان غازي أكثر مللاً وصواباً مني، كان يأمل أن يصنع برلماناً للشعر مهمة نوابه أن يقولوا جميعاً: لا، حين يقول هو: نعم، ويقول: لا، حين يبصمون جميعاً بأصابع أيديهم وأرجلهم على صكوك الرتابة .
ولعلك تذكر أيها الغازي، وهذه أمانة في عنقي، كيف كنت تؤثر إرضاء اندفاعي على منطقك، وتتأمل ملامح وجهي قبل الغضب، حتى لا تفلت نجمة من سماء أحببناها، وحتى نرى سوية عبور عربة الشعر ( القلقة ) إلى ساحل الملل الجميل .
دع عنك يا غازي الرحيل
أو فارحل !
سوف نحتجز قصائدك عندنا
وهي وحدها ستعيدك إلينا دائماً أينما ذهبت .
عبد الله الحامدي
كلمة الشاعر عبد الله الحامدي
|